يتبع لموضوع شريك حياتك
مما لا شك فيه أن المال يعتبر ركيزة أساسية من الركائز التي يقوم عليها بناء الأسرة. ذلك أن الأسرة بمثابة مؤسسة اجتماعية لها قوامها الخاص بها، ومن ثم يجب أن يكون لها دخلها الذي يكفيها لسد نفقاتها بحيث يتحقق لها الاستقلال الاقتصادي عن غيرها من أسر أو من شخصيات. فمن المؤكد أن الأسرة التي لا تقوم على أساس اقتصادي مكين لا تستطيع أن تزعم لنفسها الاستقرار مهما كانت وشائج الحب والوئام قوية بين الطرفين المؤسسين لها، أعني الزوج والزوجة.
بيد أن هناك مَن يرجحون كفة الناحية المادية في الاختيار لشريك المستقبل محتجين بالحجج التالية:
أولاً ـ إن تأسيس أسرة جديدة بحاجة إلى دفعة مالية قوية بحيث لا يمكن الاعتماد على الدخل العادي في هذا الصدد. فلابد من توفير المسكن والأثاث ونفقات عقد القران والتكاليف النثرية الكثيرة التي تتواكب مع الأيام أو الأشهر الأولى للزواج. من هنا فإن توافر المال عند الطرفين لا يعد من قبل الترف، بل هو ضرورة لا مناص منها حتى يتسنى تسيير الأمور في مجراها الطبيعي.
ثانياً ـ إن توافر المال لدى الطرفين يوفر الظروف التي تحول دون نشوء الكثير من المشكلات والمصادمات التي يمكن أن يسببها العوز أو التقصير في جانب ما من الجوانب الأساسية في تشييد الأسرة الجديدة. وبتعبير آخر فإن نقص المال يمكن أن يسبب الكثير من المشكلات التي قد تنتهي بزعزعة الوشائج العاطفية التي كانت متوافرة قبل مجابهة الموقف المالي.
ثالثاً ـ وكذا فإن توافر المال أمام الخطيبين ـ ثم الزوجين فيما بعد ـ يضمن لهما الكثير من فرص المتعة بالحياة، ومن ثم استشعار السعادة، بينما يعمل الفقر على إتعاسهما وحرمانهما من الكثير من أسباب السعادة والرفاهية.
رابعاً ـ ولا شك أن تحقيق الجمال في كل شيء يرتبط ارتباطاتً وثيقاً بما يحوزه المرء من مال فلقد جعلت الحضارة من الجمال سلعة تشتري بالمال. فبالمال يمكن تغيير لون الشعر والبشرة وتصفيف الشعر وارتداء الملابس ذات الألوان الجميلة وذات الموديلات المتجددة. ولا شك أن الجمال يعتبر من أهم عوامل الجذب بين قلبي الخطيبين، وبعد ذلك الزوجين في مستقبل العلاقة بين شريكي الحياة.
ولكن بالرغم من وجاهة هذه الحجج الخمس التي يسوقها أولئك الذين يحتفلون بالجانب الاقتصادي في اختيار شريكي الحياة، فإن هناك حججاً أخرى مناهضة يمكن تلخيصها فيما يلي:
أولاً ـ إن الاختيار الذي ينبني أساساً على الجانب المادي لا يكون قائماً على أساس متين، بل يكون قائماً على أساس واه. فالمال لا يصنع الحب ولا يدعم الوشائج القلبية حتى وإن تظاهر الطرفان بحب بعضهما بعضاً.
ثانياً ـ وحتى عندما لا يكون الدافع لعقد الخطوبة هو الطمع في المال، فإن الطرف الغني المحبوب بصدق يصعب عليه أن يصدق أنه شخصية محبوبة لذاتها. فهو يتشكك في صدق حب الطرف الآخر له معتقداً أنه يتظاهر بالحب حتى يستفيد من ماله.
ثالثاً ـ كثيراً ما يكون توافر المال لسبباً لنشوء المنازعات بدرجة تزيد عن درجة وشدة المنازعات التي تحدث بسبب الفقر. فتوافر المال لأحد الخطيبين أو للخطيبين معاً لا يكفل السعادة لهما، بل إنه قد يسبب لهما التشكك في نيات بعضهما أو قد يدفع بالواحد منهما إلى اتهام الآخر بالبخل أو بالتبذير، وهو اتهام لا يمكن توجيهه إلى الفقراء.
رابعاً ـ إن توافر المال للخطيبين يحرمهما من لذة المعاناة والشعور بوجود صعوبات وعوائق أمامهما عليهما تحديها واقتحام أسوارها حتى يتحقق الزواج. ولا شك أن الشيء الذي يحصل عليه المرء بصعوبة يكون عزيزاً لديه لأنه حصل عليه بالكفاح خلافاً للشيء الذي يحصل عليه المرء بغير أن يبذل فيه جهداً يذكر. إنه يهمله أو يرذله وينفض منه يده بسهولة، أو حتى لقد يشمئز منه وينفر من الإبقاء عليه والذود عن حياضه.
خامساً ـ توافر المال أمام الخطيبين يحرمهما من لذة بناء الأسرة لبنة لبنة. ذلك إنهما يحققان جميع أهدافهما المادية المتعلقة بالأسرة دفعة واحدة. والواقع أن الحياة الخالية من الأهداف، أو الحياة التي لا تتجدد فيها الأهداف، إنما تكون حياة سقيمة جوفاء وخالية من المضمون. وعلى العكس من هذا نجد إن إحساس الخطيبين بأن أمامهما شوطاً طويلاً يجب أن يقطعاه معاً، لمما يعمل على إحساسها بالسعادة كلما تمكنا من تحقيق أحد الأهداف بينما تكون أمامها أهداف أخرى لم تتحقق بعد.
مالك الأسرار