التقييم طريق إلى التقويـم :
أعني بالتقييم هنا "التثمين" أي تقدير "الثمن" وتحديد القيمة، سواء كانت هذه القيمة مادية أو معنوية اعتبارية.
فتقييم الأشياء من أموال وأراضٍ وعقارات وثروات يعني تحديد أثمانها.
وتقييم الأعمال من بيع وشراء وتربية وتجارة ودعوة وسياسة وتخطيط وتنظيم... يعني استكشاف فاعليتها، ومعرفة الخطأ والصواب فيها، فهي قد تكون رابحة أو خاسرة، وسليمة أو سقيمة، بالغة أو قاصرة، متقدمة أومتأخرة.
والإنسان يلجأ إلى التقييم لاستكشاف عيوبه وأخطائه، من أجل تلافيها، فالتاجر من خلال التقييم يضع إصبعه على أسباب خسارته إن خسر، وعوامل ربحه إن ربح... والمؤسسة والجماعة والدولة تلجأ إلى التقييم لاستدراك كل تقصير، ومعالجة كل خلل، ولتحقيق المزيد من النجاح والفوز والفلاح.
وعملية التقييم تعتبر من الأعمال الحميدة والواجبات المطلوبة لتحقيق التقدم والتطور والارتقاء، ومن الجهل والانحراف اعتبار التقييم من الأعمال الذميمة والضارة وغير المفيدة... بل إن الضرر كل الضرر في العزوف عن المراجعة الصادقة، والمحاسبة الدقيقة، التي تضمن تمييز الغث من السمين، والصالح من الطالح، والخبيث من الطيب، والضار من النافع، والذي من خلاله تحصل الإفادة من التجارب والاستفادة من الخبرات.
وجوب التقييم :
التقييم وظيفة واجبة، ومسؤولية جبرية وليست اختيارية، لأن عدم التقييم يعني استواء الصواب والخطأ والحق والباطل، والخبيث والطيب.... أفمن يمشي مكبا على" وجهه أهدى" أمن يمشي سويا على" صراط مستقيم (22) (الملك)، وقال عز من قائل: قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى" فما لكم كيف تحكمون 35 (يونس)، وقال سبحانه: وما يستوي الأعمى" والبصير 19 ولا الظلمات ولا النور 20 ولا الظل ولا الحرور 21 وما يستوي الأحياء ولا الأموات إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور 22 (فاطر).
إذا كان التقييم يعني التثمين واستكشاف الخلل، فإن التقويم يعني التسديد ومعالجة الخلل.
والتقييم هو لون من ألوان الحسبة الذاتية والمحاسبة التلقائية للسياسات والمناهج والأعمال والتصرفات، والمشاريع والتجارب، ولمن رسموها، ووضعوها أو كلفوا بها ونفذوها: أخطأوا أم أصابوا، أضرُّوا أم أفادوا؟
وهو سنة من السنن الإلهية تتميز من خلالها الأضداد، فيثاب المحسن ويعاقب المسيء، فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يـره(7) ومن يعمل مثقال ذرة شــرا يــره (8) (الزلزلة).
بل إن سنة التقييم هي التي تفضي إلى سنة الجزاء والثواب والعقاب، فإذا تعطلت هذه السنن كان الجد والعبث، والإيمان والكفران، والإساءة والإحسان.... سواء بسواء فتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا قل هل يستوي الخبيث والطيب.
التقييم في القرآن الكريم :
ولو أن التقييم عملية مرذولة، وحالة مستقبحة لما حفل القرآن الكريم بمئات الآيات الكريمة التي تتحدث عن أعمال الأولين وتصرفات السابقين وعاقبة المؤمنين والمتقين والظالمين والطاغين والفاسقين والكافرين... فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون 40 (العنكبوت).
بل ماذا نقول في العشرات من الأحداث التي وقعت في العهد النبوي وجاء القرآن الكريم ليقيمها ويحكم فيها: مستحسناً أو معاتباً أو منذراً، ومع سلفنا الصالح رضي الله عنهم أجمعين، فإذا كان هذا حال سلف الأمة مع التقييم فيكيف ينبغي أن يكون عليه حال خلفها من الذين تتناهشهم الفتن، وتتجاذبهم الأهواء، وتعتصرهم المصالح والشهوات؟
مطلوب منهم أن يصدعوا بالحق أنفسهم قبل غيرهم، وألا يكونوا كالذين إذا قيل لهم اتقوا الله أخذتهم العزة بالإثم.