الكفاءة في الزواج ]
يعتمد النجاح في حياة الأسرة على كفاءة كلا الزوجين ومناسبته للآخر، وعلى حسن فقه كلا الزوجين لواجباته ومسارعته لأدائها.
ولاستدامة الحياة الزوجية وحفظ توازنها، لم تقف الشريعة عند تعريف الناس بقيمة أمر الزواج وسمو غايته، بل تناولت بإعزاز وعناية كل ما من شأنه تثبيت دعائم البيت، وتوطيد أركانه، ومن الأمور الواجب مراعاتها قبل الزواج، البحث عن التكافؤ بين الزوجين.
فإن من أولى المنغصات فى الحياة الزوجية انعدام التكافؤ بين الزوجين، وسوء الاختيار، ولذا فإن الإسلام - لخطورة أمر الزواج وخطورة آثاره - أوصى كلاً من الرجل والمرأة بضرورة التروّي وحُسن اختيار شريك حياته.
وضمانا لقوة الأُلفة وحسن العشرة، يجب أن يكون الزوج كفؤاً لزوجته، وأن تكون الزوجة مناسبةً له.
تخيروا لنطفكم..
وهذا الأمر له سند من النصوص الشرعية، ففي الحديث عن عائِشة قَالت قال رسول اللهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلمَ:
“تَخَيرُوا لِنُطَفِكُمْ وَانْكِحُوا الأكْفَاءَ وَأَنْكِحُوا إِلَيْهِمْ” (رواه ابن ماجة).
والكفاءة تعنى أن يكون الإنسان كفؤاً لزوجته فى الفضائل النفسية والاجتماعية، فالرجل الأمي غير كفء للمثقفة المتعلمة، والرجل الهرم غير كفء للشابة، وهكذا.
فما من ريب أن انحطاط أحد الزوجين عن الآخر اجتماعياً أو خلقياً يجعل الحياة بينهما غير متكافئة، بل ينظر أحدهما للآخر نظرة دونية واستهجان، فيتنازع الزوجان ويستفحل الأمر.
إن الزواج المعتبر ليس شيئا عارضاً أو صفقة تجارية، لذلك وضع كثير من الفقهاء شروطا للكفاءة في الزواج لضمان استمرارية الحياة بينهما والإقلال من الشقاق.
وقد تباينت رؤى الأئمة في موضوع الكفاءة، وكان أكثرهم تشددا في هذا الأمر الإمام أبو حنيفة، فقد اعتبر الكفاءة في ستة أمور: الإسلام والنّسب والحرية والتدين والمال والحرفة.
أما الإمام مالك رحمه الله فقد جعل الكفاءة المعتبرة في الدين والتقوى والسلامة من العيوب.
وقد قرر الأحناف أن المرأة إذا تزوجت من غير كفء كان لوليها أن يطالب بفسخ العقد.
وهنا نفهم من كلام سادتنا الفقهاء أن ماهية الحياة الزوجية، وسر نجاحها يكمن في الكفاءة المعتبرة، وحدها الأدنى حُسن الخُلق وطِيبُ الأصل.
فهنا تولد الأسرة كريمة عملاقة، لأن الوشائج فيها متينة، وتصبح عصية على التفكك والانحلال.
إن الخلافات الأسرية في حياتنا المعاصرة أكثر منها في كل العصور السابقة بلا ريب، ويرجع ذلك إلى جهل الناس بتعاليم الدين وتوجيهات الشرع، وقد أجريت دراسة اجتماعية في المركز القومي للبحوث في القاهرة بيّنت أن انعدام الكفاءة بين الزوجين كان سببا فيما نسبته 75% من الخلافات الزوجية.
حسن الخلق
والكفاءة المعتبرة دائما تكون قرينة حسن الاختيار، وما من ريب أن حسن الخلق يجبر كل نقص، لكن لابد لكل من الطرفين أن يراعي الصفات التي تغلب على شخصه، والسجايا التي تدعوه للزواج.
فيجب أن تكون المرأة بحيث ترغبها نفسه، ويُرجى من صفاتها دوام العِشرة معها، وكذا بالنسبة لاختيار الزوج، وفي هذا المعنى نذكر حديث المغِيرةِ بنِ شُعبة حينما أراد أَن يخطب امرَأَةً فَقال النبِي صلى الله عليه وسلم:
“انْظُرْ إِلَيْهَا فَإِنهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا. (رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة وأحمد).
وقد ذهب بعض أَهلِ العِلمِ إِلى هذا الْحديث وقالوا لا بأس أَن يَنظر إِلَيْها مَا لم ير منهَا محَرما وهو قول أَحمد وإِسحَاق ومعنى قولِهِ:
“أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا.قَال: أَحرى أَن تَدومَ المودةُ بينَكُمَا.
وفى رواية ابن ماجة :
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَن الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوجَ امْرَأَةً فَقَالَ لَهُ النبِي صَلى اللهم عَلَيْهِ وَسَلمَ: “اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا فَإِنهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُما.فَفعل فَتَزوجها فَذَكر مِنْ مُوَافَقتها.
ويقول الإمام أبو حامد في “الإحياء”:
“وما نقلناه من الحث على الدين، وأن المرأة لا تُنكح لجمالها، ليس زاجرا عن رعاية الجمال، بل هو زجر عن النكاح لأجل الجمال المحض مع الفساد في الدين”.